محمد أبو زهرة
2156
زهرة التفاسير
ونتكلم من بعد ذلك عن عقوبة الحرابة ، أهي من قبيل الحدود أم من قبيل القصاص ؟ لقد نص الفقهاء بالإجماع على أنها من قبيل الحدود ، فهي حد من حدود الله تعالى ، وليست قصاصا ؛ ولذلك لا يصح العفو عنهم ، وأنهم لا بد مأخوذون من تلك العقوبات التي قررها القرآن الكريم ، فإن إقامة الحدود من العبادات بالنسبة لولى الأمر ، ولا يصح أن يتخلى عن العبادة بأي صورة من الصور ، ولأنهم قد وصفهم الله تعالى بأنهم يحاربون الله ورسوله ، ووصفهم سبحانه بأنهم يسعون في الأرض فسادا ، وهم بذلك يعتدون أبلغ اعتداء على الجماعة المؤمنة ، وكل ما يكون اعتداء على الجماعة يكون اعتداء على حق الله تعالى ، والحدود عقوبات لأجل حق الله تعالى ؛ ولأن هذه العقوبات حد تجب إقامته على ولى الأمر كان قابلا للتوبة ؛ ولذلك قرر الله تعالى فيه قبول التوبة ، فقال تعالت كلماته : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وقد تكلمنا في معنى هذه الآية الكريمة ، وبقي أن نتكلم في أمرين : أحدهما - كيف تكون التوبة قبل القدرة عليهم ، وثانيهما - عن آثار هذه التوبة . أما عن الأمر الأول ، وهو حقيقة التوبة في هذا المقام . . فنقول إن التوبة العامة تقتضى ثلاثة أمور : اثنان منها نفسيان ، والآخر مادي ، والنفسيان أن يعترف بالذنب ويندم عليه ، وأن يعتزم ألا يعود إليه من بعد توبته . وأما الأمر المادي ، فهو الإقلاع عنه بالفعل . وبتطبيق هذا على توبة قطاع الطريق لا يتعرض الفقهاء للناحية النفسية بل إن ذلك أمره إلى الله تعالى ، ولكن يتجهون إلى الأمر المادي الذي يدل ظاهره على المعنى الباطني ، وإن هذا الأمر المادي يتحقق بأمرين ، أو بأحدهما أولهما - بأن يؤمن الناس قطاع الطريق ، ويتركوا المكان الذي يباشرون فيه جريمتهم ، وثانيهما - أن يقدموا الطاعة لولى الأمر ، وهنا يجئ نظر الفقهاء أيكتفون بالأمر الثاني وهو تقديم الطاعة أم لا بد من الأمرين معا ؟ اختلف الفقهاء في ذلك ففريق